إنه اليوم الذي نسيتُ فيه نفسي والعالم. وآه يا دمشق!
جئتكِ هذه المرة بليرتين، اصطدتهما من أمي ومن أبي العائد، وقد جئت لأحضر الشريط الأسبوعي المعتاد. لكنني، بدلاً من أن أتجه كالعادة نحو الفردوس، كوّعتُ ووقفت أمام قلعة دمشق وسوق الخجا القديم، ثم دخلتُ فوهة سوق الحميدية.
كنت وحدي… رغم المشاة الكثيرين من حولي. هنا جئت صغيراً. هنا ابتسمتُ وأعطاني أبي كعكة. هنا اشترت أمي منديلاً. هنا بوظة بكداش، ومطعم التراث، وأعمدة المسكية. هنا اشتريت كتاباً، وهنا شربت العرقسوس. وهنا ابتسمت لي بنت كالصبح، برفقة أختها الكبرى التي كانت تشتري عطراً ممزوجاً بعبق دمشق.
في سوق النسوان يكثر الرجال، ومن هناك تقطع سوق الخيطان إلى مدحت باشا… وهناك المسجد الأموي، كصدر زنوبيا المنتصرة. مقهى النوفرة، مقهى الأدباء والفنانين، بحجم مقهى نجيب محفوظ في الجمالية.
احتسيت شاي النوفرة وأنا أقرأ الحيطان، لعلّي أجد بعضاً من المعلّقات على تلك الجدران. كان الشاي أسود مُراً، واللبلاب المقصوف يتدلّى كجراب النسوان، وأنثى سائحة تشرب شايها قبالة المقهى، حقيبتها المخلاة على حجر الرصيف تصدّ العيون الجوعى عن السيقان.
كانت البزورية قريبة… تشدّني التوابل والأعشاب والبذورات والسكاكر ورائحة الزعتر، وفطائر اللحم والجبن، وكلها تتجمع مع حمّام نور الدين الشهيد. مررت بطيئاً كالـنملة التي تفتش عن حلوى. شممتُ عطور البرية، وتذوقت ماء الحنفية التي ترفع الماء دفقاً بقوة الذراع.
رأيت شرش الزلوع والمليسة والزعتر بأنواعه… إكليل الجبل، وصابون الغار، والسمسم، وزيوت الياسمين، وطعم القرفة والمحلب، ووصفات الزنجبيل، والكعكة في السحلب.
وعندما وصلت إلى السوق المعترض لمدحت باشا، انحرفت يساراً باتجاه أعمدةٍ هي في الزمن قبل ما قرأناه. مشيت حتى صادفت خانات السلاطين. عبرت معارض الموزاييك الدمشقي ونحاس التراث، حتى وصلت إلى الباب الشرقي… باب دمشق التاريخ، دمشق عمر بن الخطاب وصلاح الدين.
خرجت من الباب الشرقي لأرافق السور، وعليه العلالي الخشبية التي لا تصدق أنها ما تزال معلّقة هناك. مشيت كالسكران يشدّني باب توما… أو في الحقيقة بقايا الباب. حمّام دمشقي آخر، وفرع مريض من بردى.
رجعت بين الحارات حتى العمارة، ومسجد رقية، وسوق النحاس المطروق. طرق وأناس كثر… أحياء، والضجة ترتفع إلى الأعلى، والناس تأكل لحم الجمل… والناس ابتسامتها حب.
أبواب دمشق السبعة أو أكثر… هي بقايا السور، سور الأيام والذكرى.
كان الطريق طويلاً ولم أتعب، لكن الليل اقترب، وفي جيبي نصف ليرة فائض. لا بد من صفيحة العجين باللحم، أو الفولات بالخلطة المصرية، أو الكوارع والسجقات. حملت بعض الفطائر والعوّامة، وركضت لألحق السيارة نحو التل.
وجدت أمي وأبي ينتظرانني، قلقين وغاضبين… وأنا مبتسم كالأفريقي ببياض الأسنان.
غضبٌ في وجه أبي، وانبرت أمي ثائرة: – أنت مجنون! – نعم… وحق الله أنا مجنون بعشق دمشق، كما هو عشق التل. من أين أتزوج؟ بنت التل أم بنت دمشق؟ رأيت اليوم ألف ابنة شامية!
بينما كان أبي يذهب إلى مقهى الساحة، ابتسمت أمي: – كيف هنّ بنات الشام؟ – واحدة اسمها مبنى عين الفيجة، وأخرى قاعة ساحة الحجاز، وأخرى التكية، أو دار العظم، أو بيت جبري… أو بنت الميدان، أو الشاغور، أو الصالحية، أو المهاجرين، أو ركن الدين، أو القزازين… أو لأقل لك: بنت القصاع. وسيدنا عيسى سيرضى عني.
ضحكت أمي… ضحكتُ أنا، ورحت أحكي لها كم كنت سعيداً في هذا اليوم، ودمشق تحتضنني، وأنا أحاول أن أحتضن دمشق بكل ما فيها ومن فيها.
وآه يا دمشق… أين حقول الهامة؟ أين شموخكِ قاسيون؟ أين الكبّاد والليمون، وفستقيات الهوى التي تعطي الدواء للقلب الحزين؟
إنني، إن بَعُدتُ يا شام الحياة، فإنني في هذه الدنيا سجين. أعينيني لكي أعود إلى الحضن الذي ينقذ القلب من فرط الجنون، ويشبع في داخلي شوقي الدفين.
آه يا دمشق… يا أم الجمال، يا أم العاشقين… على جسور الياسمين