الأغراب - نحن دائمًا على صواب، والآخرون دائمًا على خطأ

الأغراب - نحن دائمًا على صواب، والآخرون دائمًا على خطأ

المالكية – 1/10/1971

منذ أن حطّ أولئك القوم السمر رحالهم في الجرد، والقرية الراقدة في حضن الجبل تمتلئ بإطارات المناخل والغرابيل والطبول والدرابيك المصنوعة من جلد الحمير.

قوم سمر، نحاف، طوال، اعتادوا سكنى الخيام، وفضّلوها على بيوت الطين والحجر، لأنهم لم يألفوا الإقامة في موضع واحد على ظهر هذه الأرض.

دبّت حركة غير عادية في مطلع ذلك الصيف في القرية. نشط الغبار، وتنادى أطفال القرية لرؤية المخلوقات التي تجرّ خيامها وحميرها ونسوتها اللواتي يشبهن الكنغر في احتضانهن لصغارهن داخل جراب جلدي. قال الصغار إن القوم نصبوا الخيام المشقوقة، ودقّوا الأوتاد العتيقة في التراب، وتركوا الحمير ترتع حولهم.

قال أحد الصبية، وعيناه تكادان تقفزان، وفمه يفغر دهشة: – أوه! كم عندهم من الحمير! ماذا يفعلون بها كلها؟

قبيل الغروب، بدأ كل شيء يميل إلى الهدوء في المكان الذي عجنه حضور مفاجئ. وراح اللهب المتمايل من موقد قريب يطلق طقطقة الأغصان المحترقة. تباعدت جمهرة الصبية التي كانت تراقب حركات المخلوقات الغريبة، وراحت تطارد جحشًا نأى عن رفقته، لم تتركه حتى أدمت قفاه.

في القرية، وفي بيت مختنق، أخذت امرأة كهلة تضرب طفلًا في العاشرة من عمره. ورغم صراخه، لم يظهر عليها أنها تهتم، رغم أنه ابنها. كانت تقول في نفسها: لو أنهم خطفوه، ماذا كانت ستفعل؟ واجبها الذي لا يجوز التهاون فيه هو أن تلقّنه درسًا مريرًا يحرّمه فعلته.

– قل! لماذا ذهبت نحو أولئك الناس؟ إنهم يسرقون الأطفال. والله إن فكرت مرة أخرى فسأخنقك بيديّ هاتين. – لقد ذهب الأولاد… – حيلتنا ضعيفة. نحن غير كل الناس. إياك والاقتراب منهم ثانية.

ويصرخ الطفل مستغيثًا، وتتابع الأم لطماتها بقسوة، وعيناها لا تدمعان.

في ساحة القرية، وعلى المصطبة الترابية، وُزّعت كؤوس الشاي من بيت المختار. جلس عشرة رجال يشربون ويلفون سجائر القشق. مدّ رجل ذو لحية مشوبة بالبياض يده ليحرّك سكرًا صدئًا في الكأس، ويتمتم كلمات هي مزيج من الآيات والاستغراب والتطيّر.

– مالي أراك منقبض النفس يا شيخ؟ – أعوذ بالله… الإنسان يحتار. يقول في نفسه إن هؤلاء أيضًا من خلق الله، لكننا نخشى على جوّ البلدة من الفساد.

يعلّق رجل أصغر سنًا، وهو يتلمس شعرات صدره اللولبية: – لهم ماء يشربونه من هذه الأرض، ولن يذهبوا إلا إذا انقطع ماؤهم. مالنا ولهم؟ هم في حالهم ونحن في حالنا.

يضع الشيخ كأسه فارغًا، ويزلق راحته على لحيته ثم يفرك كفيه: – نحن لا نحتقر عباد الله، لكن سترى… حميرهم تأكل الزرع، وصبيانهم يسرقون كل شيء، ورجالهم ينتظرون في الخيام لمعاقبة زوجاتهم العائدات من الاستجداء… أجارنا الله.

ويصمت الجميع بينما تسري نسمة بين أوراق الجوز، وتتراقص ظلالها على قدمي الشيخ. – قوموا لنذهب إلى الجامع.

ويبقى الجميع صامتين.

في حجرة عالية، استدارت سبعة كراسٍ حول طاولة تفرّقت عليها صحون البطيخ الأحمر. جلس خمسة من الشباب يحدّقون عبر النافذة الواسعة نحو الجرد.

مدّ ذو الشعر المنتصب شوكته وطعن بها قطعة بطيخ، وبينما كان يقربها من أسنانه قال: – كلوا… ما لكم تحملقون في تلك البشر؟ – لا أحد يحملق غيرك. كل واملأ كرشك.

يأكل الجميع، والعيون تقفز من خلال النافذة بين حين وآخر، تحاول تمييز الخيام الثماني القائمة، والمخلوقات التي تنتقل بينها مرسومة بأنوار باهتة كأشباح من مقوّى أسود.

يشعل أحد الشباب سيجارة، يمتصها، ويربت على ظهر زميله: – كل أيها الجوعان. – كلنا جائعون… كلنا كلاب مرمية. سنظل كذلك طالما بقي الشيخ سيدًا. – لماذا؟ الجرد أمامك يعج بالحياة. دونك والجرد.

يمر أسبوعان، ويكون أطفال الجرد قد سرَوا في طرقات البلدة مرات ومرات، طالبين المعونة: الخبز، المال، الكساء العتيق. وتكون النسوة قد حكَيْن لكل صبية أو عجوز أسرار مستقبلهن، ومطامحهن، وآلامهن، وتوقعن لهن الخير. – ستقعين في ضيق، لكن الفرج قريب بعد ثلاث إشارات. ستنالين المراد. قولي إن شاء الله.

يمر أسبوعان آخران، وتكثر الآثار في أجمة خلف التلة. كان عبور تلك المنطقة نادرًا، لكنه ازداد بتقاطر الشباب الجياع من أهل البلدة، يدفنون أنوفهم في شعور سود هاربة من وهج الخيام. يحس الشاب ممتلئ الجسم أن الدنيا جميلة، وأن تمايل الأغصان ليس إلا رقص الحياة في بركة السعادة. يهمس في أذن حورية سمراء: – أتمنى أن أعيش معك دائمًا. – ذلك محزن… لأنه لن يتحقق أبدًا. آه لو كنتُ امرأة لمنحتك متعة لا تُنسى.

في ساحة القرية، يهمس رجل أشيب لآخر: – علِق شبابنا… أخلاقنا تنهار. – ليتني كنت شابًا. – إنه أمر سيء، لكن ما العمل؟ على أية حال، المسألة بين شبابنا وبناتهم. – المهم أن بناتنا مصونات. – أعوذ بالله يا رجل… وهل يخطر ببالك؟ ويقدّم أحدهما سيجارة للآخر، ثم يبتسم: – الحمد لله نحن بخير. – ولكنه وضع مشين على أية حال.

أسبوع آخر، ويجلس في الساحة رجال تبدو في أعينهم آثار احمرار، وأجسادهم لا تثبت في وضع. تتراقص أشياء في أيديهم. يهمس الشيخ في أذن رجل ضخم: – اذهب ونادِ كل الشباب.

ثم يهمس لآخر. يمضي الرجلان مسرعين. بعد ربع ساعة تعجّ الساحة بعشرات الرجال الذين طغت على رؤوسهم الشعرات البيض، فقد كان الشباب ما يزالون في أمكنة بعيدة.

يبدأ الشيخ يشتم: – شبابنا كلاب! هذا الجيل القذر! لا يحمون البلدة من العار!

يضغط رجل على راحة زميله ويسأل بصوت خافت: – لماذا كل هذه الثورة؟ – اسكت… بنت الشيخ. بنت الشيخ التي لا يقبلها قرد. يقولون إنهم قبضوا عليها مع واحد من ساكني الجرد الليلة الماضية.

يرتفع صوت الشيخ بعصبية: – أيها الرجال! هؤلاء أفسدوا أخلاق الناس! يجب طردهم! يجب ألا يبيتوا هنا الليلة! المجرمون! السارقون! هيا فلنرتح من شرهم!

وتسير الجمهرة مسرعة تحمل البنادق والعصي والحجارة والفؤوس. يتصاعد الغبار خلفها، ثم تنفلت فجأة، تجري والدماء تغلي في داخلها.

عند الجرد يتصاعد الصياح، وتتفرق الحمير، وتضم كل أم صغيرها، بينما تدوي طلقات نارية.

وعند المغيب، تُحمَل الأثقال عشوائيًا، وينوء ظهر أكبر حمار، يجسد ساكنًا باردًا تجمعت النسوة حوله مولولات.

وتسير بقعة من الدم الأحمر تروي حفنات من التراب.


*********