تعال يا بني… لنذهب إلى جدّك. هو الذي علّمني أول حرف في الكتاب الأوحد، وربما هذه آخر كلماته. جدّك موسوعة تاريخ: قرأ عن أصل العرب، وعن الأنبياء، ويحفظ الأسماء، وحارب في السفربرلك، وربط العدو بشجرة تين وولى… ها هو الآن يبكي.
تعال لتسمع منه أن الدنيا ستبلغ ذروتها يوم يقتل المسيح يأجوج ومأجوج. تعال لتعرف كيف كان يصلّي، وكيف كان يوقظني في الليل، وكيف كان يقسو في النهار بقضيب الرمان.
تعال قبل أن يصمت. المطر يشتدّ، والريح تعوي، والطريق ينحدر نحو الهاوية. تمسّك بي… وإن انزلقتُ، فاعبر فوق رأسي. يجب أن تصل إلى جدّك. لا أحد أغلى منه… إلا أنت.
جدي… أين أبي؟ قال إنه سيغوص إلى قاع الأرض ليلقاك. قال إنه يملك مفتاحًا يدخل به ساحة أحلامه، وأن أمي ستعرّفه بصبايا الواحات، وأنه سيشرب العسل والخمر حتى تأتي.
هل غرق أبي في الأخدود الذي حفره؟ لماذا تركني وحدي؟
قال جدي: – نحن لم نتعلم إلا الخوف… قضيب الرمان، ثم الحديد، ثم نار تجري نحو القلب. – ألن تذهب يا جدي إلى حيث ذهب أبي؟ – لا مفتاح عندي يا بني. – لكنه قال إنه يملك مفتاحًا! – أبوك تعلم مني الصمت… وأنا تعلمت من الحياة الخوف.
ثم قال: – سأخبرك شيئًا… في يومٍ بعيد، أخذوني من غرفتي وأنا مع جدتك. قالوا: “قم يا عبد السلطان… التاريخ يحتاجك.” لم أفهم معنى التاريخ، لكنني فهمت معنى الذلّ.
جدي… هل خنت جدتي؟ – كنت بين العسكر… آخر من فعلها. ومنذ ذلك اليوم وأنا أبكي عند قدميها. ثم جاءت الحرب… حرب السلطان. تعني القتل: إما أن تقتل، أو تُقتل.
سألته: – لماذا القتل؟ – لا ندري… ويجب ألا نسأل.
ثم همس: – سأخبرك سرًّا… ربطتُ رجلاً من الأعداء وتركته للموت. كان جائعًا مثلي… لكنهم قالوا إنه “عدو”. وعندما سمعت عواء الذئاب، عرفت أنني قتلت نفسي فيه.
في الفجر، ونحن نتجه إلى الجرف، أعطاني جدي لفّة. قال: – افتحها… إنها فسيلة كينا. لو كانت الكينا مزروعة هنا لما انفلقت الأرض وابتلعت أباك. هذه الشجرة تعيش ألف عام… تتجدد كل سنة… وتحمي الناس من المرض. ازرعها عند مرقد أبيك… سيأنس بظلّها.
وصلنا إلى الأخدود. كانت أصابع أبي ما تزال تظهر من الطين. سقط جدي بجانبه، وراح يغرق وهو يقول: – اغرس شجرة الكينا… – واذهب إلى الواحات… – سنلتقي عند جذورها.
تجمدتُ… وسقطت الفسيلة من يدي، تتدحرج نحو الطين.
قالوا لي: – سنرحل… الطريق إلى الواحات. – فيها ماء… لا ذئاب. – الأرض هنا يباب… الخوف والجوع سيأكلانك.
لكنني قلت: – هنا أبي… جدي… أمي… وجدور الكينا. فقال رجل: – عندما تنتصب الكينا، تعود الأرواح إلى الجسد… تعال معنا الآن.
تحركت القافلة مع الفجر. الحادي يغني للإبل:
يا رمالُ… تحدثي عن عيون المهاة… عن الضعف في الرجال… عن الخوف الذي يأكلنا… وعن الخليل المستحيل…
كنت أتحرك بالفطرة: أشرب من البركة، أبكي من الألم، أفرح بتمرة، وأمشي مع قافلة لا تعرف إلى أين.
سألت: – إلى أين نذهب؟ قالوا: – لا أحد يدري… اسأل صاحب الهودج. الهودج ليس للفتاة الأجمل… بل لصاحب العمامة والقفطان والسيف. هو وحده يعرف الطريق. هو وحده يملك الخصيان. هو وحده يملك الصولجان.
قالوا: اسكت… وامشِ.
قررت أن أفكر… سرًا. في الهودج فتاة اسمها فردوس. مغطاة بالألوان… لا أعرف إن كانت رائحة جسدها من ياسمين أم من عوسج. راقبتها… ابتسمتُ لها.
قالوا لي: – احذر… – خطوة واحدة نحوها، ويصبح ماءك طينًا… – وتلحق بأبيك.
وفي اليوم الثالث رأيت اسمي مكتوبًا على رمح. هربت. جريت. تركت القافلة… فالطريق لا يؤدي إلا إلى ضباب خلف ضباب.
في النجمة سكنت عشتار… وصارت كل نجوم الكون.
القافلة سجن من رمل وخوف. أما قلبي فيقول: الواحات بعكس السير.
أنا نحو النجوم أسافر. أشمّ الأنسام الخصبة… وأنتظر يومًا تأتي فيه عشتار، فتخضرّ الأرض، وتولد الأشياء من جديد.
يا ولدي… لا تكتب قدرك. قدرك مكتوب على لوح حجري لا تمحوه العواصف.
قلت لجدي: – أبي يقول إنني “رقم انتظار”. – وأنا تعلمت منك الشك… فكيف أرى؟
قال جدي: – رحيل أبيك قبلي علّمني الرفض. – علّمني أن أقول “لا”… وأن أسأل “لماذا؟” – وأنت… يحق لك أن تصرخ. فالصرخة هي أول درس في الكون.
صارت أصابعي أصابع فنان، تلتقط النسمة، ورائحة الغيث، وموج الإعصار. صارت عيني تبصر أكثر من زرقاء اليمامة. صار قلبي يرى الأيام قبل أن تأتي.
ناديت فردوس… لم تسمع. غفوت… وفي الغفوة نهضت الفطرة:
اركض… اقفز… النور يولد من قلب الظلمة. وفي حضنك فردوسك… وما فردوسك إلا عشتار.
أنا أركض… أجري… أعدو… أمحو الكثبان بأقدامي. أشمّ رائحة الواحة. الحياة تحتاج إلى عشق… والعشق يحتاج إلى ولادة.
أنا لست أبي… ولا جدي. أنا الصرخة التي تولد كلما صرخت.
السنوات تجري مثلي… والأرض تتحول… والكواكب تسأل: من أين؟ إلى أين؟ ولماذا؟
كل شيء يسأل… الشجرة، الشاة، القديس، السحاب، الريح… وأنا أجري نحو نورٍ يشبه الذاكرة.
عندما جرى الجدول… جرى عِرقي. عندما أشرقت الشمس… انفتحت عيناي. عندما نبضت زهرة… ولدتُ.
هذه الواحة بلا حدود. أشجار الحب تميل، والأمل يتكاثر كالأغمار.
هناك… رأيت فردوسي تقفز كالعصفورة. ناديتها… لم تسمع. فناديت عشتار.
اقتربت مني… دخلت فيّ… اتحدنا.
قالت: – نحن… أنا أنت، وأنت أنا. – الكون واحد في وحدة كل الأشياء. – هذه الواحة قامت فوق الكثبان لأنك هربت من القافلة… – ولأنني هربت أبحث عنك.
قلت: – وما هذا البيت الوردي؟ قالت: – هناك أبوك… وجدّك… وهذه شجرة الكينا العملاقة… وهذا قلبك يقرأ سفر الكون.
******