رسالة في مياه البحر - زهير الشلبي

رسالة في مياه البحر - زهير الشلبي

من قصص جذور الأديب الفتى قبل سبعينات القرن الماضي

رسالة في مياه البحر

قتل العنكبوتُ ذبابةً.  قتل الهرُّ فأرًا.  قتل الذئبُ حملًا.. وقتل الإنسانُ إنسانًا.



امتدّ قوسُ قزح فوق الغابة، بألوانه التي تهزّ الأغصان تيهًا، وترتعش لها أغصاني سعادة.  تنشط خلاياي، ويراوغ ساعدي كراقصة باليه تستعدّ للقاء حبيبٍ غاب طويلًا.  تبدأ الحياة برسم ابتسامة على شفتي…  لكن، ما إن أرفع نظري قليلًا حتى ألمح أفعى سوداء ضخمة تلتفّ حول جذع شجرة الصنوبر الأم.  فتذبل الابتسامة، ويطلّ الرعب والقرف من خلفها.

كيف ترضى هذه الشجرة الأزلية، الضاربة جذورها في جذور الأرض، أن تعتصرها أفعى؟ كنتُ بلا حيلة، أراقب الجسد المتطاول ينأى رويدًا رويدًا.  بحثتُ عن إنسانٍ يساعدني على القضاء عليها، لكنني ما إن رفعتُ يدي مستغيثًا حتى رأيت الناس يختبئون خلف الأشجار القصيرة، غير عابئين بندائي.

كانت أشجار الغابة موزّعة بانتظام، تفصل بينها مساحات من الرمل الجاف.  كل رجلٍ يختبئ خلف جذعٍ، يقلّص نفسه ويتكوّر، ويفعل أشياء غريبة.  أدير وجهي عنه، فيسقط بصري على آخر، فأستدير من جديد، عاجزًا عن الهرب من رؤية ما يفعلون.  لا ملجأ لي من مشهد كهذا إلا إطباق الجفنين، وعندها فقط أسمع الهمهمات، كمن سكن قاع الجحيم، يتعذّب لا من النار، بل من عذابات الآخرين.

كنتُ أتساءل دائمًا:  لماذا يختبئ الرجال خلف الجذوع المهترئة ليقوموا بأفعالٍ يستحون منها حين ينتقلون من جذعٍ إلى آخر؟ ويبقى السؤال مخنوقًا في صدري.

شجرة الصنوبر تتعالى وسط الغابة، مطلّة على انتفاضة هستيرية.  لا شكّ أنها ترى ما وراء الجذوع. أودّ لو أعتلي قمتها لأرى ما تراه.  أليست معرفة ما يخفيه الناس لذّة عظيمة؟ لكن الأفعى الملتفّة تمنعني من التسلق.

أعود لأبحث عن معين.  يلتهب عظم ساقي وأنا أبحث.  يطلّ رأس طفلٍ من بعيد، فأهرع نحوه، لكن رأس رجلٍ ضخم يبرز بجانبه، حاقدًا، فأرتدّ.  في أعلى الشجرة تغرّد الطيور…  وأنا في القاع، لا أستطيع قفزًا ولا طيرانًا.

 


 
ينتقل رجلٌ من جذعٍ إلى آخر بخفة، يحمل بندقية صغيرة بطول الساعد.  يتابع رجلًا آخر.  ظننتُهما يتصيدان مقتلاً للأفعى، ليمهّدا الطريق لصعود الرجال إلى الشجرة.  كان أملي يكبر مع كل خطوة.  لا شكّ أنهما اخترعا تلك البندقية لقتل الأفعى.  

يركض الرجل في المقدمة مثقلاً بجذبٍ يشدّه إلى الأرض رغم صغر حجمه.  يلتفت إلى الخلف، عيناه تجحظان كلما رأى الأفعى أو الرجل الذي يلحق به.  يتعثّر حامل البندقية، فيهدأ الثاني لحظة، ثم يعود إلى اللحاق به، فيضطر الأول إلى الجري من جديد.

لو أنهما قتلا الأفعى، لتسلّقتُ شجرة الصنوبر العظيمة، وشدوتُ مع عصافيرها، ونسيتُ رمال الأرض الرمادية. ولاستطاع الرجال رؤية ما خلف الجذوع البالية.

اختبأ الأعزل خلف صخرة ضخمة، وغاب، إلا أن نسمة لعبت ببضع شعيرات من رأسه تتجه نحو قوس القزح الذي بدأ يندثر.

يكمن حامل البندقية خلف جذعٍ هرم، ويسدّد.  حين أطلق، تعالى فحيح الأفعى إلى الثريا، ودوى الانفجار الهائل من جوف البندقية.  اندثرت الصخرة…  واندثر الرجل الذي خلفها…  وغطّى النظر سديمٌ قاتم.

توقّف شعوري تمامًا.  لم أستطع البكاء ولا الضحك.  بدأ السديم ينقشع، لكن الضجيج ظلّ يخرس العالم.  اندثر قوس قزح وسكنت الطيور.

كان قلمي جافًا، فغرسته في دمي، وكتبتُ رسالة على قطعة من جلدي، وألقيتُ بها في مياه البحر.  وعشتُ أرقب الأمواج، آملًا أن القابع وراء الجذوع المهترئة سيكنشف سر مياه البحر، ويقرأ  ما كتبتُ في تلك الرسالة.  عند ذلك فقط… أصعد شجرة الصنوبر.


*****
زهير الشلبي
من الجذور الأولى للرحلة الأدبية.. في نهاية المراهقة.