أكتبْ عني، إني الأسطورةُ تحيا،
من صخرٍ جبليٍّ أحيوه..
نحتوه على أعمدة الأكروبول
من عروقٍ حجريةٍ،
في العالي نصبوه..
أنا من رسم على الحجر أبوه،
أسكنوه في قرطبة الأجمل
وكتاب أرسطو بين يديه..
ذات يوم، قبل سبعين عاماً أو أكثر، كان لجدتي بيت في الوادي من أطراف دمشق، وفي كل صيف تنبع أرض الحقل حكايات من قصص الحبق العشبي.
كانت بقعة كحرير ناعم تغزلها الأرض، وعلى الطرف شجر الصفصاف يعشق نهرَه فينحنيَ كالقوسِ إليه، وكلما أخذ من ماء النهر قطرة، يرتفع الغصن إلى الأعلى لكي يشكر من خلق الكون..
كنت طفلاً أتفتح كزهرات اللوز، يغنّي للأرض وللنسمة ومن بين ورق الصفصاف الراقص، ينظر إلى الليرات الذهبية الآتية من الشمس..
وقفت هناك مع ناسي أسرة، رأيت طيفها في كتاب على رصيف دمشق، قالوا إن جذورها تعود إلى الإسكندر، وهو فتى وعلى رأسه الخوذة كعرف الديك، يمر على فلاسفة أثينا قبل أن يشد رحاله نحو شروق الشمس..
في أثينا قالوا إن هناك حكايات الأحلام لدى أفلاطون، ومقالات السر والحقيقة في كأس السم لدى سقراط، وسخرية الفلسفة لدى ديوجين..
قالوا إن هناك كان الذي سكن من خرج عارياً من حمامه لكيي يصرخ، في جنون العقل، أنه من وجد الحقيقة إياها..
وعلى المسرح الحجري كان هناك سوفوكليس يتحدث عن وجع الدنيا..
وأبو قراط في الزاوية يخفف آلام الناس..
طيوف وطيف وطيوف.. وحكايات يرددها تاريخ البشرية,
والدنيا تدور على الدنيا، وتبقى أعمدة أثينا فوق سقوف العالم..
نعم تذكرت كل شيء، والطفلة ذات الوجه الإغريقي، تحمل جهاز الراديو الصغير بين أصابعها تسنده إلى جذع شجرة تفاح جدتي في أقصى الحقل..
شدتني بيدها، كف المسيح تخاطبني، تمسح عن روحي الآه..
"تعال معي" قالت..

أخذتني كحمامة تخفق جنحيها، وكأن هناك السحر القديم راح يطوقني، وكأن الاستاذ المتحمس يحدثنا عما بين أثينا وروما، وكأن هناك الإنسانية والحب، وهنا الحيوانات المفترسة مصدر بهجة نجاة ولعنة خوف..
في ذاك اليوم، أحسست بأن كل شجرة تنطق لغة البنت التي لا أعرفها... لكنها نقرع في عمى كرقصة كون، واٌيقاعها امتداد من أحضان وقُبل!
اسكت يا ابن الناس، فالقديس يصلي عندما ترقص أعمدة الحرية في طرقات أثينا قبل آلاف الأعوام..
خلف أسوار دوالي العنب الأحمر، كشفاه السكر، تنشأ من فيض محبة، ما بين جذور الإغريق وجذور من سد مأرب من بعد الطوفان.. كما بين جزيرة سوقطرة، وجزيرة قبرص في المتوسط، ترتجف الأغنية، وجسمي من شوق يتبعها...
عندما مدت ماريا يديها لتتشبك أصابعنا، تسجنني بين النغم والوجه من الأحلام، وتاريخ مازال ينبض قي هذا العالم..
لم أعرف لغة الإغريق... علميني ماريا، فأنت رغم جذورك، أنت أيضاً ابنة بلدي، منذ جدودك.. هيا ، وأسلميني لعينيك، كطفل يحبو نحو الإنسان، بلا عنوان..
قبل سبعين سنة، هذا ما كان..
كأن الاحلام تصنع حقيقتها، أو كأن الحقيقة تصنع منها الأحلام..
اكتب يا زيد البحر بين صخور قبرص، أن هذا ما كان..
ثلاثون كنا في القاعة، كلنا في سن الشيخوخة.. قبل دقائق كنا نطفيء آلام الزمن بالانتظار الأجمل. والآن بين كل السنين تأتي ماريا.. تلك الملفوفة بعريش الزمن، لكي تبقى عروس أثينا في نيقوسيا، عملها أن تحرس معبد حب يسكن فوق تلال اثينا بالجدران البيضاء والشبابيك الزرق تحكي منعكس البحر، ومنعكس سماء العشق الأبدية..

بسمتها تحملني عبر العمر، وكأن ما كان في حقل جدتي قبل العمر بعمر، هنا عاد ليحيا بين يديها..
ارقص يازمن العشق، تأجج! إن الزمن يغيب الآن.. سبعون عاماً ممحية...
هاقد عادت ماريا، بين كبار السن، أفروديث الدنيا، تحملنا إلى عرش هي فيه الملكة ..
بسمتها، عيناها، وأصابعها تشدني إلى أجمل ما في هذا الكون لكي أرقص بين يديها..
نعم، أنا أدونيس العاشق.. وكلما مرت سبعون سنة سوف أعود..
لمستها جدول إكسير..
هكذا تعلمت طريق العودة في الزمن، .. أندريا! كوستا، يورغو، .. تمسكوا بماريا.. هيا، وأنت يورغيا، وذورا، وأندرولا... جميلات الدنيا أنتن، كنتن، والآن تعدن صبايا، عندما ترقصن رقصة ماريا..
زهير