كان المساء يهبط على ترودوس مثل يدٍ تطفئ آخر شمعة في العالم، والثلج يلمع بأخضرٍ خافت وبرتقاليٍ ذابل، كأن الجبل يطلب الصفح عن كل ما فعله البشر.
جلستُ على صخرةٍ عالية، أحمل قبرص كلها في صدري، وأراقب البيوت القليلة المتعبة، تلك التي تشبه قلوباً لم تجد بعد مكاناً للراحة.
ظهرت الحمامة أمامي، تحفر الأرض كأنها تبحث عن قبرٍ صغير لسلامٍ أنهكه الزمن، لكنها ما تزال تحمل غصن الزيتون، كأن الطائر يعرف أن الأمل آخر ما يموت.
وفي البعد، عبر الفلامنغو خطّ البحر، وردياً مثل جرحٍ جميل، يترك في الهواء لوناً لا يشفى.
ثم جاء بورجا من جهة الثلج، رجلٌ عاش حياته كلها على حافة الموت، ووقف بجانبي كأنه يعرف الطريق إلى قلبي كما يعرف الطريق إلى القمة.
قال بصوتٍ يشبه الريح: "نحن يا صديقي نصعد الشيء نفسه… أنت بالكلمات، وأنا بالخطوات. كلاهما عمرٌ قصير، وكلاهما معنى طويل."
مرّ بجانب الحمامة، التي استأنست به. رفعت رأسها نحوه، كأن الطيور كلها تعرف من يقترب من السماء أكثر مما يقترب من الأرض.

ثم مضى نحو البياض، يترك خلفه خطاً رفيعاً يشبه سطر قصيدة، ويشبه حياةٍ تُختصر في مشهد واحد: حمامة قبرص، فلامنغو مهاجر، ورجلان يبحثان عن ارتفاعٍ يليق بما تبقّى من الضوء.
عندما ابتلعت الثلوج بورجا، شعرت أن العالم فقد ابناً له… وأن القمة التي كان يبحث عنها لم تكن في الجبل، بل في الإنسان نفسه، في تلك اللحظة التي يختار فيها أن يصعد رغم أن العمر أقصر من الطريق.
يا بورجا… يا ابت الإنسان! هل حملت رسائلي معك حين مررت فوق الذرى كلها؟
رسائلي تلك البيضاء مثل قلبك، مثل حبّك لما فوق مساكن النسور، لما هو فوق استطاعة البشر.
إنني أنعي فيك الإنسانية التي تعبت من المقابر، فلم تجد مكاناً ترتاح فيه إلا على تلك الذرى المنسية، بعيداً عن جرائم البشر، قريباً من السماء التي أحببتَها، كما حلمت بها أنا، حتى الموت.
زهير الشلبي