أغلى رسالة في هذا الوجود

أغلى رسالة في هذا الوجود

رأيت جدتي قبيل لحظة يقظتي الصباحية ترمح كعادتها مابين التل والوادي، تتبادل ‏تحيات الصباح مع معارفها في الزواريب. تلقي تحيات الصباح على جدران دور بيت ‏الشلبي، حتى لو لم يكن هناك أحد.

عندما استيقظت كان نعيق غراب يحوم فوق سطح بيتي في نيقوسيا.
خفت أن يكون قد أصاب جدتي سوء، تلك التي تبرعت بثمن أرضها كاملاً لأبطال الجزائر، ‏وهي الإنسانة الوحيدة التي تبادلت معها القدرة على قراءة مكنونات أحدنا الأخر.‏
 
هرعت أكتب لها رسالة من الحب والعرفان والشوق أفرغت فيها باختصار الإنسان في ‏افتقاد موجع، وفي لقاء مفرح..
‏"آه يا جدتي! كم كان حضنك السبب في جعلي إنساناً ينشد الفرح فلا يلقاه، فيبكي إنساناً ‏جاء إلى دنيا مقاييسها كل شيء إلا العدل. جدتي! وحق عينك الوحيدة الباقية أن تتقبلي ‏مني قلبي الذي أرسلته بين طيات هذه الرسالة لكي يرتاح بين ثديين أرضعا أمي فجفا قبل ‏الأوان في حقولنا العطشى.."

‏ أخبرتني أمي أن جدتي كانت تدور برسالتي حارات التل لكي يقرأ الجميع رسالتي إليها التي ‏ختمتها بدموعها.‏
‏-‏ ‏"شوفي يا ختي، شو كتبلي زهير!"‏
كان القلة من يستطيعون قراءة الرسالة بعد أن ملأتها جدتي بدموعها، وبقيت عينها ‏الوحيدة من غير دمع..

‏ ماتت جدتي بعد رسالتي بأيام وكأنها كانت تختم حياتها برسالة الحب التي رأتها أهم ‏رسائل الدنيا. ‏
اتصلت بأمي وسألتها أن تكون المؤتمنة على إرثي من جدتي.‏
‏-‏ ‏"أوَ تريد إرثاً يا زهير من جدتك؟"‏
‏-‏ ‏" إرثي يا ماما، هو رسالتي إليها بعد ان مهوتها بدموعها، احتفظي بها من أجليز"‏
 

لم يجد أحد رسالتي إلى جدتي.‏
‏ سألتها عن الرسالة، فلم أسمع منها جوابا.‏
‏-‏ ‏"جدتي! لأول مرة لا تلبين نداء قلبي!"‏
لم أسمع صوت جدتي كما اعتدت عليها منذ أن كانت ترعاني تلميذاً في الصف الاول ‏وحتى وأنا دبلوماسي أمثل بلدي في بلاد الآخرين..‏
قالت ابنة جارتها:‏
‏-‏ ‏"عندما أرتني تلك الرسالة لكي أقرأها رفضت أن تتركها بين يدي، فقد كانت أعز من ‏روحها، وكان مكانها دوماً فوق قلبها."‏
 

جدتي رحلت ولم يعرف أحد مكان تلك الرسالة أبداً..‏
تحدثت مرة مع عجائز من التل صديقات لجدتي، فكان جواب إحداهن:‏
‏-‏ ‏"لم يعرف أحد مكان تلك الرسالة، لأنها بالتأكيد وضعتها، مثل كل نساء التل ‏الراحلات داخل قلبها وليس فوقه، ولايمكن لأحد أن يجدها إلا إذا فني القلب ‏نفسه.."‏
 

‏-‏ ‏"جدتي ! أتسمحين لي بفتح قبرك ؟ كنزي هو رسالة مهرتها عينك الباقية بدموعك ‏يا جدتي.."‏
‏-‏ ‏"أصغيت بقلبي فسمعتها تقول:‏
‏-‏ ‏"نحن الراحلون يا زهير مسموح لنا بجملة واحدة نرسلها لكم، فإذا كنت تبحث عن ‏رسالتك، فاعلم أن على كل البشر البحث عن رسائل حملها أحباؤهم في قلوبهم ‏وقت الرحيل. بهذا يا زهير عليكم فتح كل القبور لكي تتعلموا ما لم تتعلموه، وهو ‏هذا السر العظيم.. رسائل الحب.."‏
 
  • زهير الشلبي
  • نيقوسيا 5/3/2023‏