الكتّاب الشباب

أصوات واعدة تصوغ أدب الغد

(المهمة) زهير الشلبي-قبرص

(المهمة) زهير الشلبي-قبرص

من أين ولماذا جئنا ؟‎ الى أين ولماذا نذهب ؟‎ 

دمشق 1971‏‎ 


كان الطريق ممتداً باتجاه واحد إلى مالا نهاية ، لكنه كان يمتاز بالمرتفعات ‏والمنخفضات التي تعترضه في كل آن . الطريق واسع لا يمكن تمييز حوافه ، ‏وسائق الشاحنة الضخمة الذي لا نراه يشتم عثرات الطريق‎ . 
‎ 
معي مجموعة من الناس لا أعرف عددهم ، غير أنهم كثيرون ، وأخشى دائماً ‏عتاب أحدهم لنسياني إياه . ذاكرتي ضعيفة فلا أذكر ما هي مهمتنا ، ولا الى أين ‏غايتنا ولا من أين انطلقنا ، حتى من هو يترأسنا الذي نسير وراءه لا أعرفه ، كدت ‏أعتقد ذات مرة أنه أبيض اللون ذهبي الشعر أزرق العينين ، لكن ذلك لم يدم فقد ‏هددني رجل من نوع آخر‎ . 
‎ 
الشاحنة التي نركبها طويلة وعريضة ، سمراء اللون ، لها بطن متسع نرقد فيه ، ‏نسمع همهمات المحرك ، ونحس بنطحاته ولكننا لا نراه . كنا فيما قبل نركض في ‏هذا البطن فنتصادم لكنه ضاق بالحمولة المكدسة فيه ، فاضطررنا الى الرقاد ، ‏ونتوقع في داخلنا أن ننضغط واقفين خلال أيام محدودة ، ونظل نلعب في خيالنا ‏فقط ، ونذكر أننا كنا صغاراً كبرعم ندى نقفز في جوف الشاحنة‎ . 
‎ 
كانت حمولتنا كتباً مطبوعة بخطوط سوداء عريضة ورفيعة تتلوى وتتقطع ، ثم ‏تتصل وتتلوى . . بين تلك الكتب في جوف الشاحنة الهائلة الهادرة نحو الأفق ‏تتطاول رؤوس متعددة الأشكال و الأجناس ، ناديت فلم يرد علي أحد . كنت أتوق ‏بلهفة الى أن أسمع صوت أحدهم ، إلا أن ذلك لم يتح لي فسكت أخيراً ، وإذ بأحدهم ‏ينادي بصوت كأنه من قعر بئر . . لم أفهم ماهي بغيته ، وعجبت لنفسي وقد ‏أحجمت عن الرد . صمت الرجل فبدأ آخر بالنداء ، ولكنني شغلت عنه بآثار القلم ‏على إحدى الصفحات‎ . . 
‎ 
حملت الكتاب على كتفي . . كاد كتفي ينهد ، ما أثقله من كتاب . . خطوات ضعيفة ‏متعثرة ونبهت أحدهم بكوعي‎ . 
‎-‎قل لي ما كتب على هذه الصفحة‎ . 
انتظرت ساعة فلم يدر وجهه نحوي . . نقلت خطوة أخرى وقذفت قدمي في فخذ ‏أحدهم‎ . 
‎-‎فسر لي هذه الرموز‎ . 
‎-‎أنت حمار ، الق الكتاب من على كتفك ، نحن في مهمة‎ . 
‎-‎مهمة؟ كنت قد نسيت ! . ولكن قل لي ما هي المهمة؟‎ 
‎-‎لست أدري . اسأل غيري‎ . 
ألقيت بالكتاب وتلمست كتفي ، ثم ضغطت على ساق أحدهم‎ . 
‎-‎ما هي المهمة ؟‎ 
‎-‎أية مهمة ؟‎ 
‎-‎نحن ، الى أين ذاهبون ؟‎ 
‎-‎لست أدري ، اسأل الأصلع‎ . 
‎ 
حدقت في الرؤوس التي يمكن أن أراها ، لكن لم يكن بينها واحد أصلع ، تنقلت ‏معتمداً على رزم الكتب الهائلة ، ولكنني لم أفز ، بيد أنني لم أيأس فقط ، وكنت ‏استغرب حركتي بين قوم منتصبين كالتماثيل . . وانتظرت أن يأفل النهار ، وكيف ‏يأفل ولما تزل الشمس في كبد السماء . . تطلق رائحة عرق الأجساد النتنة رغم ‏رزم الكتب المتناطحة‎ . 
عندما فشلت في لقاء الرجل الأصلع قلت في نفسي: لابد أنني أنا نفسي ذلك الرجل‎ . 
‎-‎من أين أتينا ؟ ولماذا ؟ والى أين ذاهبون ؟ كم هو عدد ركاب هذه الشاحنة ؟ ومن ‏هو قائدنا ؟ و ما هي مهمتنا ؟‎ .. 
‎ 
مصصت شفتي فكانت جافة مرة . صرخت بأعلى صوتي . . المهمة ؟ ماهي ‏المهمة ؟ لكن صوتي كان مخنوقاً الى حد بعيد ، وظلت الشاحنة الهائلة تطير تارة و ‏تزمجر أخرى‎ . 
‎ 
ما أن وصلت الشمس الى منتصف السماء حتى أخذت السيارة تتأرجح على طريق ‏يتلوي ، ما رأيناه قط ، عرفنا ذلك من تلوي أعضائنا منساقة معه ، ثم ازدادت ‏القرقعة وصدر صوت مجلجل‎ . 
‎ 
‎-‎الوقود في طريقه الى النفاذ‎ . 
وجدت دموعاً تنساب على وجنات البعض‎ . 
‎-‎الوقود قليل والقدرة ضئيلة‎ . 
تجمعت الدموع غدرانا صغيرة ، هتف رجل ضخم الجثة ،‎ 
‎-‎لنلق بعض الكتب‎ ! . 
أخذ رجل قزم قميئ يقفز في مكانه‎ . 
‎-‎لا . لا . هذا كتاب ثمين لا تلقوا به‎ ! . 
‎-‎لنلق بعض الكتب‎ ! . 
‎ 
تهافتت أعداد كبيرة من ركاب الشاحنة يلقون الكتب خارجها ، واستمرت كذلك ‏حتى أنهكها التعب‎ . 
‎ 
استل القزم الشجاع سكيناً ورفعها في وجه الرجل محولاً منع إلقاء الكتب ، لكنهم ‏رفعوه هو و سكينه وألقوا به مع الكتب خارج الشاحنة‎. 
ماذا كان حول الشاحنة ؟ عالم مجهول تماماً نحن لانعرفه‎ . 
قلت للرجل: سنعود مرة أخرى ونلتقط الكتب التي فقدناها‎ . 
‎-‎لن نعود مرة أخرى‎ . 
‎-‎كيف ؟‎ 
‎-‎لأننا لا نستطيع أن نعود‎ . 
‎-‎لماذا ؟‎ 
‎-‎لان مهمتنا في اتجاه واحد فقط‎ . 
‎-‎لنوقفها‎ . 
‎-‎عندما نقف تنتهي المهمة‎ ! . 
‎-‎أية مهمة ؟‎ 
‎-‎وما أدراني ؟‎ . 
‎ 
ظلت الشاحنة تتابع مسيرها . كان أمامي رجل يبتسم ، ثم فقدته فجأة ، ماعرفت ‏كيف اختفى ، ولما سألت عنه قالوا بأنهم القوا به خطأ خارج الشاحنة‎ . 
‎-‎القوا بالكتب كلها حتى نستطيع أداء المهمة‎ . 
صرختُ: ولكن المهمة هي هذه الكتب‎ ! . 
‎-‎كلا‎ ! . 
‎-‎إذن لماذا نحمل الكتب معنا ؟‎ 
‎-‎لست أدري‎ ! . 
‎ 
وجدتهم يتهامسون ، ثم يثبتون أنظارهم في عنقي . وفجأة لحقوا بي‎ . 
‎-‎القوا به خارج الشاحنة‎ ! . 
ركضت بين الكتب، وكلما اختبأت خلف كومة منها قذفوا بها خارجاً ، حتى أوشكت ‏الكتب على النفاذ، فقبعت خلف آخر كومة وروح التحدي تتملكني‎ . 
‎-‎لن تستطيعوا قذفي خارجاً‎ ! . 
‎-‎سنقذف بك وبكتبك ؟‎ .. 
‎-‎لكن مهمتكم تنتهي عندما تقذفون بي وبكتبي‎ 
كانت الشاحنة تتأرجح قبيل المغيب على صخور صلدة وتتقدم بصعوبة بالغة نحو ‏قمة التله‎ . 
وما أن رفعوا آخر كتاب و أوشكوا على القبض على عنقي حتى غربت الشمس ‏تماماً وعم الظلام ، وانزلقت الشاحنة منتفخة بالأجساد البشرية الى هاوية ليس لها ‏قرار‎ .‎
‎ 


المراجع: موسوعة القصة السورية