لم تحدث هذه القصة…  هذه القصة حدثت - بقلم الأديب زهير الشلبي

لم تحدث هذه القصة… هذه القصة حدثت - بقلم الأديب زهير الشلبي

امتدت السجون في كل مكان؛ بعضها للرفاهية، وبعضها لزيارة ساعات، وهذه هي ما تعرفه كمرات الأعياد.  بعضها ترتفع حيطانه، وبعضها يحجز نجمات الليل.

تتعدد وتعلوها أشواك وخطوط اللسع الكهربي المتطور والمستحلب من ألواح الشمس، وألغام وشظايا، وفيها الحفر غرفة للمعيشة والموت، وطوابق تحت المقابر مدفونة… والطوابق ناطحة سحاب بالمقلوب، لكي يصبح الإنسان فيها دودة.


لا… لا يمكن لقصة مثل هذه أن تحدث. هي تزوير.  هذه القصة دوماً لا تحدث في أصقاع الأرض… 


لا، بل تحدث، دوماً تحدث.  لماذا علّمنا الغراب كيف نواري إخوتنا بعد القتل، وتعلمنا الدودة كذلك كيف نحفر في القاع توابيت الدفن من الطين ودفن الموتى؟


– "في يوم… اسمعني! لا تقطعني عن كلماتي من حجارة رجم! أنا لن أكتب أسطورة توصفها من افتراء، إلا إذا كان صاحبها مريضاً في عينيه وفي أذنيه وفي عقله. أنا لست مريضاً، لكنني في صحوة ما قبل الموت. هي فرصتك لكي تسمعني، ولكي لا أنسى، وأنت لكي لا تنسى، أن القصة حدثت…"


 بعد أحقاب وعقود وسنين. اتخذ الوالي أمراً:


"لكي لا تسقط الجثث على مدّ الشوارع مكشوفة، وتلتقطها الكمرات وقرون الذباب المعقوفة، دعوا الناس تتحرك بحرية، ومن الزوايا ومن البيوت خذوهم في صمت الليل، ثم ضعوهم في ناطحات الأرض المقلوبة، وهنا لن يكلفونا شيئاً يتعبنا أو يلهينا أو يتحدث فينا."


القصة التي يروونها لم تحدث… والشهود تروي أن عيونهم من غير نوافذ.  أجيال وأعمار وحبالى ما عادت تولد. صارت تهرب، ولكننا نلاحقها دوماً، حتى لم يبقَ في ناطحات الأرض مكان لسكان أكثر.  مسموح لهم في قاع الحفرة أن يغنوا أغنية واحدة في العام تستجديني… وهم ينتظرون نهايات التاريخ.


نظّفوا الشوارع، فهذه القصة لم تحدث، والشوارع ليس عليها دم.  من أين يجدون الأقلام لكي يكتبوا على الجدران القذرة؟ أين هم، والقصة لم تحدث، ونحن المحبوبون، والمكان أمان بالصمت المضمون من ألسنة نحن صنعناها.  لن تسمعوا عندنا صراخاً من ألم فيما نفعل، فالألم ليس له وقت يأتي فيه.


… أشياء غريبة تخرج من الشقوق، والحيطان الطينية عطشى، ومن الجوع وأكوام قشور البطيخ الأحمر القاسية تتخمّر.  أهم بشر أم أشباح؟ في يوم خرجوا مثل أقحوان بلون الشمس، وعلى أجسادهم تطريزات من لون أحمر من شقائق نعمان.  اعتقدنا أن القصة لم تحدث، ولن تحدث أبداً، فنحن ملوك الأرض، وها قد بقي رمسيس في الأرض ولم يُدفن، وهو الذي ما زال يحكم الأرض بالهرم المقلوب… ألا إنّا نحن من ندعى رمسيس.


– "هيا يا أبطال!" لقد أقسموا قسم الحرية! هم رذاذ من صيف أعجر.  خذوا قلتهم من خصر جائع!  وابقروا بطن الحبلى!  نحن لا نريد أحداً يصرخ من جوع، ولا من آلام… نريد عبيداً ترقص جذلى من شبع العظام التي نحن تركناها مجرودة.


نحن لدينا أعداء! فاستمعوا.  هيا اقتربوا منا نجزيكم، إن كنتم معنا من أجل الوطن الذي نحن بنيناه…


الصيف تحوّل إلى أثداء تقطر شلالات من نور، والأرض السفلى بدأت تتحسس للزلزال.  لا شيء سيبقى! أبداً، لا شيء سيبقى!  أفضل الأشجار ما هو يقتات على دفء الأعضاء المدفونة!


لقد صاروا سيلاً بشرياً يئن كصخر يحمله سيزيف في الثقل الأبدي!  لكن لا بد لسيزيف أن ينتصر في نهاية الحكاية حتى لو كانت قدراً.  هيا يا قبر العميان! افتح جفنيك إلى النور، ولا نور إلا أن يستدير الهرم الأكبر نحو الشمس.


التاريخ المدون في قاع القاع ستجرفه الأيدي التي انكشفت مستحاثات فيها من عظم، وبقيت تصارع همّ الدنيا جرداء.  أدخلوا في الناطحة المقلوبة… آن الأوان بعد آلاف السنوات.  أيقظوا سبارتاكوس وجنوده، حتى لو أن الرمح لديهم أضحى قصباً.  أيقظوا كل المظلومين ضحية دنيانا الظالمة المظلومة.  لن يكون الباستيل هو الوحيد الرمز الذي قلبته سواعد، بل إن الدور الآن على الناطحة المقلوبة…


ادخلوا من مسام الحجر الأسود…  هيا، فكل الأبواب تبدأ من هذا الباب.


معجزة الهرم الأكبر صارت حكايات قبل الأحلام.  بضعة آلاف ماتوا لبنائه، والناطحة المقلوبة ابتلعت ما لا يُحصى من جثث المجهولين.  وباتت البوابة المهشمة تبتلع كل من جرت في عينيه دموع مذهولة…  دفقات الكتل البشرية تتدافع لكي تكتشف إن كان تبقى أحد ما زال من روائح الموتى يتنفس!


الناس الثكلى فوق جثث الضحايا المدلوقة.  آلات التعذيب في كل مكان…  الحرب العالمية تنفي أيام الموت، وفي الدار حكايات لم ترسمها أعين، ولم تنبش الدروب أيدٍ، ولم تنتصب الرايات لها…  إن هناك فقط آثار الإنسان الضبع هناك.


جاء اليوم… كل اثنين من الغرباء كانا يحملان جثة يابسة من أعماق الناطحة المقلوبة.  هيا، فقد جاءت اللحظة حيث أصبحت البوابة مهشمة بين الأقدام العارية الضحلة والعطشى والمكسورة.


أفواجاً أفواجاً تخرج من بين فكي ضبع عرّفه التاريخ منذ إنسان نياندرتال المشؤوم…  الغدر أتى منذ التاريخ المكتوب.
 


هيا أسرعوا، فالجثة خلف الجثة، وتذهب القافلة إلى المجهول…  تمتد وتمتد وتمتد…  وجوه خائفة تفرح لأن الأوامر انقطعت بخلع البوابة…  والقافلة ما انقطعت، حتى ساد الصمت وتبعثرت آثار العفن الذي رحل عبر النسمة الثقيلة إلى كل معالم أرض ينثر فيها كل البشر المظلومين.


داس سيزيف على البوابة المفلوشة نتفاً من غير ثبات، وخلفه كان سبارتاكوس، بصندله القديم يدوس.  هما فقط من تجرآ على الدخول عبر الظلمة لكي يعرفا أسرار الناطحة المقلوبة والهرم المقلوب. هما فقط من بقي في وجهيهما عينان.


بعيد البوابة في الداخل… رأيا ما لم يتوقعه إنسان . كان العمق مغطى بالأقنعة السوداء… الأقنعة السوداء تغطي كل الأشياء بما فيها أسلحة الموت.
تساءل سيزيف: – "لماذا كل شيء مغطى بالأقنعة السوداء؟"


أجاب سبارتاكوس: – "يا سيزيف، أنت كنت تحمل صخرتك على ظهرك دوماً، ولم تكن تعرف ماذا يجري. يا سيزيف المسكين… هذه الأقنعة السوداء هي أقنعة الجلادين! هم في أقنعتهم أقوى على الاختباء من عين ضحاياهم. وعندما جاء الزلزال الإنسان الرافض للذل، أصبحت النجاة تكمن في نزع الأقنعة، وفي حمل ضحاياهم وكأنهم أهلهم، يأخذونهم لكي يدفنوهم بكرامة… لكن الحقيقة أنهم يجعلونهم وليمة لضباع الكون."


سيزيف كان غبياً، عندما بقي كل الزمن يحمل صخره، والآلهة هناك تقهقه.


التاريخ الأعمى ينسى، والجلادون هم الأبطال الذين يحملون ضحاياهم ويستبدلون أرحام الأمهات بالأحضان المسمومة.

 



زهير الشلبي
نيقوسيا 12/09/2026