لقمة خبز  (قصة من روح التل)‏

لقمة خبز (قصة من روح التل)‏

تذكرت صديقاً قديماً مازال لا يبرح داره القديمة، ولا يريد أن يغير ‏شيئاً فيها، فهي الوحيدة التي مازالت تذكّره بايام طفولته، وهي ‏المكان الوحيد الذي يجد فيه راحته.

أمسكت الهاتف:‏

‏-‏ ‏ "يا أحمد هل تذكر صديقنا محمد الذي كان معنا في ‏الابتدائية وحتى الثانوية وكان بيت أهله بين حقول القمح قبل ‏أكثر من ستين عاماً؟"‏
‏-‏ ‏"محمد، بحمد الله مازال حياً، ومازال كلما نضج حب القمح ‏يدعونا على أكل من طبخ الفريكة المشوية على النار."‏
‏-‏ ‏"محمد كان أكبرنا سناً، أليس كذلك؟‏

أجابني أحمد مازحاً:‏
‏-‏ ‏"ليس هذا وحسب، بل إنه سيمشي في جنازتنا جميعاً! هو ‏وحده الذي مازال يستنشق الهواء النقي، ويشرب الماء العذب ‏من جرة الفخار ويأكل مباشرة من أرضه."‏
‏-‏ ‏"أتمزح يا أحمد؟! أعطني رقمه، فأنا قد اشتقت له."‏

أجابني أحمد وقد اتسعت ضحكته:‏
‏-‏ ‏"ليس عنده هاتف!"‏
‏-‏ ‏"ليس عنده هاتف، وفي هذا العصر؟!"‏
‏-‏ ‏"إذا كنت تريد، أذهبُ لزيارته غداً الجمعة ومن هناك  ‏أتواصل معك.."‏

 



كنت أستجمع طيلة الليل سهوب وجبال التل من أقصى حدودها ‏البرية الواسعة إلى أقصاها..‏
ذكريات الفلاحة على الدواب وذكريات البذر والسقي والبعل، ‏وأجملها ذكريات الحصاد.‏

كنت أسبح في سماء التل وأنسى الهواتف والسيارات وكل ‏الأجهزة الحديثة وأرى "عيوش" تبحث في عينيها من ثقب البوابة ‏عن لحظة خروج عادل إلى الحقل حاملاً مجرفته، وكنت أرى ‏عادل، ينظر في عبوره السريع ذاك عن بوابة عيوش ثم يقول في ‏نفسه، "ليتك من نصيبي." 

إنها نفس حكاية أبي وأمي، وكل أسرة في التل بنتها عيون المحبة، ‏لكن مشروع أبي كان صعباً فمهنته في البناء كانت تقتضي السفر ‏الطويل. لذا فقد سعت أمي، وهي حبلى، لكي تبني تنوراً تخبز من ‏خلاله لكل نساء الحي.‏

كانت لقمة الخبز المصنوعة من القمح والشعير هي الهدف، من ‏يملكها فهو الذي لايحتاج إلى أحد، ولا إلى غيرها..‏
كلنا أخلفنا بوعدنا للقمة الخبز، إلا محمد الذي مازال اطولنا عمراً ‏لأنه لم يخن حبة القمح أبداً..‏

 



‏  كنت أنتظر قبيل العصر لكي يتصل بي صديقي أحمد من بيت ‏محمد من أجل الحوار مع الصديق القديم الذي مازال وفياً لأرض ‏جده، ولحبة قمحه.‏
في حالات الانتظار تلك قرأت بحثاً علمياً، وهو البحث الخامس في ‏نفس الموضوع، والذي يبرهن على أن عجين القمح الذي ينضج في ‏الفرن أو التنور خبزاً لذيذاً هو أسوأ طعام في الدنيا. المعجنات هي ‏السبب الأساس لمرض السكر لأنه يتحول إلى سكر بسرعة وبالتالي ‏يعرض الإنسان إلى أخطار مخيفة، منها الآفات القلبية، أو في ‏حالات معينة عمى العينين وبتر الساقين.‏

 

‏ "ياااااه!" هل أصدق العلم أم أصدق رغيف أمي؟ كان الخبز ذاك ‏طعامنا الأهم في حياتنا، ولم نعرف هذه الأمراض الخطيرة إلا في ‏العقود الزمنية الأخيرة."‏
كنت في آفاق أراضي البعل أرى حقول القمح والشعير الممتدة  ‏وأسأل نفسي، كيف هي تلك الأحجية العظيمة التي استطاعت ان ‏تجعل من مزارعي التل في ذاك الوقت أصحاء معمرين وتسعون ‏بالمائة من طعامهم هو خبز القمح والشعير؟

 



رن جرس الهاتف. ‏

‏-‏ ‏"أهلاً أحمد! من غير مقدمات اعطني محمد عميد تاريخنا ‏القديم! أريد ان أسمع صوته وأرى وجهه! أين هو محمد؟ ‏أنت تمزح أكيد! هذا ابنه يا أحمد! يذكرني به فعلاً، لكنه ‏لايمكن أن يكون هذا هو صديقنا محمد!"‏
سمعت صوت أحمد يقهقه ثم يقول: ‏
‏-‏ ‏"بل هو محمد بذاته. ألم أقل لك إنه سيقبرنا جميعاً ويصبح ‏أكبر معمر في العالم.‏
قلت معلقاً:‏
‏-‏ ‏"أطول من أعمار الهونزا وأوكيناوا؟"‏


أجاب الصديق القديم محمد قائلاً:‏
‏-‏ ‏"لقد نسيتنا يا زهير! أنت لم تسأل عني خلال عشرات ‏السنين. أعرف يا زهير ما تقوله، وقد قرأت كثيراً عن ‏مرض السكر والسرطان وغيرها. إنكم تحملون وزرها لحبة ‏القمح. لا يوجد أي طعام بحد ذاته هو الجاني، بل على ‏العكس، كل طعام يؤدي دوره ويتكامل مع غيره وسلوكيات ‏أخرى أيضاً. لو كان جسمك يتحرك بما فيه الكفاية في هواء ‏نظيف وماء عذب، ولو كانت أعصابك مرتاحة من البؤس ‏الضاغط، ولو كنت تضع حبة القمح مع ما تحبه تلك الحبة ‏من انواع الطعام الأخرى، لما رأيت الكوارث التي يصح ‏فيها السكر قاتلاً كما تراه."‏


‏-‏ ‏" أتعرف يا محمد كم اشتقت لذكرياتنا؟"‏
‏-‏ ‏"ليس صحيحاً أنك قد اشتقت لي، حتى أنك لم تشتق إلى ‏عَرَق أمك أمام تنور الخبز وطحين الضيعة. تعال لتقضي ‏شهرين معي في صومعة الحياة الرائعة التي تخلى الناس ‏عنها. هل تصدق أنني بدأت أكتب عن تجربتي الخاصة في ‏هذا المجال؟"‏
كنت أستمع إلى صديقي القديم بينما كنت أرى نفسي أجري إلى ‏تنور أمي وأبكي لكي تعطيني قطعة من خبزها الذي سقط في الرماد ‏الحار.. 


أجبت صديقي:‏
‏-‏ ‏"أتعرف يا محمد كيف تصنع "سمبوسك" فطيرة بالبقلة في ‏بيت التنور؟"‏
‏-‏ ‏"عندما تأتي يا زهير ستكون روح أمك حاضرة وهي التي ‏ستقول لنا كيف نصنع السمبوسك بالبقول وبا بالزيتون ‏والبصل.."‏