السمفونية - زهير الشلبي

السمفونية - زهير الشلبي

كتبت «السمفونية» كمن يستعيد طفولته من تحت شجرة زيزفون.  أروي حكاية فتى يرى في الطبيعة ملاذًا، وفي الجمال قوة، وفي الحب خلاصًا من قسوة البشر. أقول في هذا النصّ إن البراءة تستطيع أن تقاوم، وإن المحبة يمكن أن تكون جيشًا، وإن الكتابة قد تنقذ ما لم تستطع القوة أن تنقذه.

السمفونية

تحت ظلّ زيزفونةٍ فتيةٍ مثله، رقد جامعُ الشيح والحطب من التعب.  ها هي كومة الشيح الصغيرة قربه، شاهدة على يومه الطويل.

هناك، بين التلال، كان أمانه الحقيقي؛ نبضٌ بلا ضجيج، بلا صفير ولا زعيق، بلا نهيق ولا عواء، بلا عصا شيخ الكتّاب، وبلا ضوضاء الحياة التي لا ترحم.  هناك فقط النسيم، يحمل إليه عطر الزيزفون.  هناك فقط السَّكينة.

 

لم يكن فتى الشيح والحطب يريد شيئاً من أحد.  سئم الحياة بكل مفاهيمها التي تدور في رأسه الصغير.

أبوه يضرب أمه لأنها وضعت ملحاً كثيراً في الطعام، وفي المرة السابقة ضربها لأنها وضعت ملحاً قليلاً.  رفيق مدرسته سرق الحلوى من البائع الضرير.  أخته الصبية تخشى العصافير لأنها لا تعرف أيها الذكر وأيها الأنثى، فتغلق كل النوافذ خوفاً.

اسمه نور.  والفتى أحلامه بحجم الكون.

سيبيع حطبه لفقير الوقيد في جحر حمّام النساء، ويأخذ منه قرشاً واحداً من أجل رغيف وزيتونة، وحسب.  ثم يعود إلى التلال ليجمع بعض الأشواك العطشى، فربما تكون بينها جوهرة ألقاها طائرٌ من البحر هدية.  ربما جاء طائر الرخ الذي حدثته عنه جدته الراحلة، يحمل الجواهر من أرض الأفاعي. ربما…  وربما في وحدته يستطيع سماع صوت الله؛ الله الذي يحب الأنقياء، الأوفياء، بيض القلوب.

لكن زهر الزيزفون يذبل، ويطير في ريح الخريف.  تنتهي مواسم الحصاد، وتغلق الغيوم أبواب السماء.  و"نور" ينازع تحت شجرة الزيزفون العارية.

قالت الزيزفونة بحزن:

– على ماذا تكتب كلماتك الأخيرة يا فتى؟ الريح ستعصف بك بلا رحمة، والمطر سيصنع السيول التي تجرف الشيح وأنت معه إلى قعر أودية الظلام.

أجابها:

– ولكن جذرك قوي يا زيزفونة، وفي عروقك بعض الغذاء. أفلا أضمّك فنحيا معاً، في انتظار مواسمك القادمة، مواسم عطائك الذي تذرينه في نسيم الناس ليستنشقوه بلا سم؟

قالت له بكل حنان الكون:

– ضمني حتى الربيع… حتى الربيع فقط. فالناس الذين يقتلون الحب ويشوّهون الجمال قادمون في مطلع الربيع ليجعلوني حطباً لجحورهم، أو عصياً يغدرون بها بعضهم بعضاً. لكنك تستطيع أن تطمئن… حتى الربيع القادم.

وهكذا أصبح الفتى وشجرة الزيزفون كتلة واحدة، يصارعان الأعاصير والسيول، وفي حبهما كانت النجاة.

وأخيراً استطاعت أشعة الشمس أن تدفن الشتاء، وتراقب اخضرار الحياة في التراب، ثم بزوغ الأقمار الصغيرة من براعم الأغصان.  تنادت العصافير وحطّت على فروع الزيزفون.

لكن نوراً لم يسمع الزقزقة.  كان يسمع صوت ناي من بعيد.  إنه الراعي… ناي الحب والروح الذي يجعل الكون أفراحاً، وعلى أنغامه تنام أحلام الفتى.

هذا العام لم تعد أحلامه في الشيح والحطب، بل في الحب.  عشق الزيزفونة… وعطر الزيزفونة… وناي الزيزفونة… وراعي الزيزفونة.

صار الفتى رجلاً، وقد بيّت في نفسه أمراً.

التقى بها… الراعية الحسناء، عازفة الناي.

  – أعرف أن الرعيان من الذكور عادة، وهم الذين يذبحون الأغنام ليرضي البشر. فكيف أصبحتِ راعية يا "نور الحياة"؟

– أنا مثلك. رفضت ذبح النعاج، وصرت راعية لها. أنت لا تدري كم عانيت من البشر؛ جعلوا السعادة مدفونة تحت أقدام الكراهية. لذا قررت أن أصبح راعية، كما قررت أنت أن تجمع الأشواك. أتدري أن في الأشواك دواء كثيراً؟ فلماذا يحرقونها؟ ليُفسدوا الهواء بدل أن يشفوا الجراح المتعفنة؟

– إذن أنتِ مثلي يا نور الحياة. فهل أنتِ مستعدة؟

– مستعدة لماذا يا نور؟

– لنُهزم الأشرار الذين يريدون اقتلاع الزيزفونة.

صمتت الراعية الجميلة، ونزلت دمعتان من عينيها.  اقترب منها نور وجمع الدمعتين في كفيه.

– أتسمحين لي أن أتعمد بهاتين الدمعتين يا حبيبة، وأقسم بهما؟

– وكيف يا نور؟ نحن لا نملك ما ندافع به عن أنفسنا.

مسح نور وجهه بدمعتيها وقال:

– ها أنا ذا يا نور الحياة، صرتُ ودموعك ضمن دمي. وبهما أقسم… لن يقترب أحد من شجرة الزيزفون.

– ولكن كيف يا نور؟ الأشرار لا يفهمون إلا لغة القوة… ونحن لا نملكها.

– بل نملك أكبر قوة، ولم نستعملها بعد.  أنتِ وأنا لدينا قلم. نستطيع أن نكتب على كل شيء.  تعالي نكتب على لحاء الزيزفون، وعلى الحجارة، وعلى الزهور.  تعالي نكتب على الهواء والماء.  الأشرار يخافون من جهلهم يا نور الحياة.  أنتِ وأنا والزيزفونة والنعاج سنصير جيشاً، وسلاحنا الناي الذي يوصل رسائلنا إلى العالم.  تعالي نغنّي…

– استمعي جيداً! ألا تلاحظين أن ثغاء الشياه صار واحداً؟ إنها ترافقنا في سمفونية الناي، وعلى إيقاع حفيف أغصان الزيزفون.

*******  

 


زهير الشلبي