الجديد والأخبار

رؤى أدبية، إصدارات، وتأملات ثقافية

اعترافات - زهير الشلبي

اعترافات - زهير الشلبي

على مدى سبعين عاماً لم أفكر في الجوائز، لأن كتابتي كانت مكرّسة للإنسان، لا للقبيلة ولا للسلطة ولا للسوق.

نشأت في بيئة تعاني من غياب الوعي بحقوق الإنسان، حيث يُستبدل الحق بالخوف، والحرية بالولاء، ويُبرَّر القمع دائماً بحجة المؤامرة.  من أجل ذلك ظلّ قلمي منحازاً للإنسان الفرد، لكرامته، لحريته، ولحقه في أن يكون مواطناً لا تابعاً.


 أقدّم ترشيحي اليوم لأنني أؤمن أن الأدب الإنساني، مهما كان صامتاً في مكان ما، يمكن أن يجد صوته في فضاء أوسع، حيث تُقرأ التجربة الإنسانية بمعزل عن الضغوط المحلية.


منذ بداياتي الأولى قبل ستينيات القرن الماضي، لم تكن الكتابة بالنسبة لي مشروعاً تجارياً، ولا سعياً وراء ربح أو شهرة. كانت دائماً فعلاً إنسانياً، وضرورة داخلية لا أستطيع الفكاك منها. كتبت لأن الكتابة كانت طريقتي للتواصل مع العالم، ولترك أثر يتجاوز حدود عمري.


لم أكسب مالاً من كتبي، ولم ألاحق ناشراً، ولم أسأل يوماً عن عائدات. دفعت من عمري ومالي وروحي، وسافرت مرتين إلى القاهرة لطباعة كتبي، وعدت بخسارة مادية مؤثرة، لكنني لم أشعر بالخسارة. لأن ما أكتبه ليس سلعة، بل جزء من إرث إنساني أؤمن أنه سيبقى.


ذات يوم سألني صديق مقرّب: "هل تكسب من كتبك؟" فأجبته بأنني لا أسأل الناشرين ولا أتابعهم. ثم قلت له: "أنت تملك ثلاثة أبنية، ولديك أربعة أولاد. وأنا لدي أربعة أولاد أيضاً. إذا متَّ أنت، فسيتنازع أولادك على الإرث. أما أنا، فإذا متُّ، فسيفخر أولادي بي، لأنني تركت للبشرية إرثاً يتحدث به العالم."


أتولى بنفسي، وحيدًا، جميع مراحل إنتاج كتبي وأفلامي: من الفكرة الأولى، إلى الكتابة، والتحرير، والتصميم، والإخراج الفني، وصولًا إلى النشر النهائي. كل خطوة تحمل بصمتي الخاصة، ولا يشارك فيها أي عنصر خارجي.  بدأت رحلتي التقنية عام 1996 حين اشتريت أول كمبيوتر بالدَّين. بعد أن تركه أولادي بعد يومين، قررت أن أعلّم نفسي بنفسي دون أي مساعدة. مع الوقت أتقنت البرامج التي أحتاجها، ثم طورت أدواتي، ثم شجّعني أولادي لاحقًا فاشتروا لي كاميرا من ألمانيا، فبدأت مساري في صناعة الأفلام أيضًا.  هكذا، خطوة بعد خطوة، صنعت عالمي الإبداعي بيدي، وعلّمت نفسي كل ما أحتاجه لأحوّل الفكرة إلى كتاب، والصورة إلى فيلم، والعمل إلى مشروع يحمل اسمي وحدي."


هذا هو جوهر مشروعي الأدبي الممتد نحواً من سبعين سنة: أن أترك أثراً، لا مِلكاً. أن أبني معنى، لا حجراً. أن أكتب ما يبقى، لا ما يُباع.

 

زهير الشلبي